كتاب : الأسس النظرية و التطبيقية لمبيدات الآفات الزراعية
عدد صفحات الكتاب : 810 صفحة
تُعد كلمة "مبيد" (pesticide) مصطلحاً عاماً مشتقاً من الكلمتين اللاتينيتين "caedere" (بمعنى يقتل) و"pestis" (بمعنى آفة أو وباء). وهي تنطوي على تعريفات متنوعة تختلف باختلاف سياقات الاستخدام واللوائح التنظيمية. فبالنسبة للمفوضية الأوروبية ، تُعرف هذه المواد في القطاع الزراعي بأنها منتجات تهدف إلى القضاء على الكائنات الحية الضارة بالنباتات أو المحاصيل الزراعية، أو منع وجودها، أو مكافحتها؛ ومن شأن استخدامها أن يعزز إنتاجية المحاصيل وجودتها من خلال الحد من الخسائر التي تسببها تلك الكائنات الضارة. كما يُطلق عليها أيضاً اسم "منتجات وقاية النباتات" أو "المنتجات الصحية النباتية".
يمكن تصنيف المبيدات المستخدمة في الزراعة إلى فئات متعددة بناءً على الكائنات المستهدفة. ومن أكثر هذه المبيدات شيوعاً: مبيدات الأعشاب التي تقضي على النباتات غير المرغوب فيها، ومبيدات الفطريات لمكافحة الفطريات، والمبيدات الحشرية. وتعتمد آلية عملها على جزيء واحد أو أكثر - تُعرف بالمواد الفعالة - الموجودة في المنتج؛ حيث تؤثر هذه المواد كيميائياً على العمليات الحيوية (التمثيل الغذائي) للآفات أو النباتات المستهدفة، مما يؤدي إلى موتها.
تتميز بعض المواد بكونها عالية الانتقائية، إذ تؤثر فقط على أنواع أو أصناف محددة للغاية، بينما تمتلك مواد أخرى نطاقاً أوسع من حيث الكائنات المستهدفة. فعلى سبيل المثال، يُعد "الغليفوسات" (Glyphosate) مادة فعالة تقضي على جميع النباتات، ولذلك يُصنّف كمبيد أعشاب شامل (أو كلي). يمكن أن تكون المواد الفعالة ناتجة عن عمليات كيميائية تخليقية أو عمليات طبيعية. وتندرج الزيوت العطرية، على سبيل المثال، ضمن فئة "المبيدات الحيوية"؛ وهي منتجات تشكل جزءاً من نهج أكثر تكاملاً لحماية النباتات يهدف إلى تقليل الإخلال بالنظم البيئية . وتمثل هذه المبيدات الحيوية حالياً أقل من 10% من سوق المبيدات.
ما هو دور المبيدات في الزراعة؟
يعود تاريخ حماية المحاصيل إلى بدايات الزراعة ذاتها؛ فمنذ أن بدأ البشر في ممارسة الزراعة قبل نحو 10,000 عام، كان عليهم حماية محاصيلهم من الحشرات والأمراض والنباتات المنافسة والظروف الجوية القاسية. وبعد مرور أكثر من 7,000 عام، وفي العصور القديمة، استخدم اليونانيون -على سبيل المثال- الكبريت كمادة للتبخير لحماية المحاصيل. وعلى مر القرون، استُخدمت مواد طبيعية أخرى (مثل الزرنيخ، والأكونيت، والنيكوتين، والروتينون) لمكافحة الآفات والأمراض.
وقبل ظهور الكيمياء التخليقية، كان المزارعون يجمعون بين استخدام المواد الطبيعية والاستفادة من خدمات النظم البيئية (أي الخدمات التي توفرها الطبيعة) والممارسات الزراعية لحماية محاصيلهم. فعلى سبيل المثال، ساهمت أساليب الجمع بين المحاصيل عبر الزمن والمكان (مثل الدورة الزراعية) في الحد من انتشار الأمراض، بينما أدى تنويع المحاصيل إلى تخفيف ضغط الآفات.
كانت التجارة الدولية محدودة للغاية مقارنة بالوقت الحاضر، مما قلل من انتشار الآفات ومسببات الأمراض. كما ساهمت الكثافة الزراعية المنخفضة -أي ترك مسافات أكبر بين النباتات- والتي أتاحتها قلة الضغط السكاني والضغط على الأراضي، في إبطاء انتقال الأمراض بين النباتات. وتُظهر هذه الممارسات -التي لا تشكل حصراً شاملاً- أهمية التكامل وضرورة الجمع بين استراتيجيات زراعية متنوعة لضمان حماية المحاصيل.
يرتبط استخدام المبيدات الحشرية والزراعية بأنواع المحاصيل وممارسات الزراعة المحلية؛ فالمناطق التي تسود فيها زراعة المحاصيل واسعة النطاق (مثل الذرة وفول الصويا والقمح)، كالولايات المتحدة، تشهد استهلاكاً كثيفاً لمبيدات الأعشاب، في حين يعتمد مزارعو الفاكهة بشكل أكبر على مبيدات الفطريات، مثل مركبات النحاس أو الكبريت.
وفي الغالب، تتحدد كمية المبيدات المستخدمة بناءً على حجم الضغط الذي قد تشكله الآفات على المحاصيل؛ إذ تتأثر أعداد هذه الآفات ومعدلات تكاثرها بالظروف المناخية (مثل الرطوبة ودرجة الحرارة). كما تلعب بيئة النمو وثراء النظام البيئي داخل الحقول المزروعة دوراً مهماً في تعزيز وجود الآفات أو الحد منه، ناهيك عن تفاوت الأصناف المزروعة نفسها في مدى قابليتها للإصابة بالأمراض. وتجدر الإشارة إلى أن الحشرات والفطريات والأعشاب الضارة قد تكتسب -في ظل ظروف استخدام معينة- مقاومةً ضد منتجات وقاية النباتات. ويؤدي فقدان فعالية هذه المركبات الكيميائية إلى زيادة تدريجية في الجرعات التي يستخدمها المزارعون، وإلى دفع الشركات المصنعة لابتكار مبيدات جديدة.
----------------
--------------------------
