كتاب : علم الخمائر : مرجع شامل
عدد صفحات الكتاب : 399 صفحة
تأليف : د عبد الله بن مساعد بن خلف الفالح
يُعد كل من علم التخمر (Zymology) وتقنية التخمر الصناعي (Zymurgy) مجالين مترابطين للغاية يركزان على دراسة وتطبيق عمليات التخمر. يختص علم التخمر بدراسة المبادئ العلمية لهذه العملية، لا سيما في مجالات إنتاج المشروبات الكحولية وصناعة المخبوزات؛ في حين تركز تقنية التخمر الصناعي بشكل أكبر على الجوانب الكيميائية التطبيقية المرتبطة بهذه العمليات. ويتمحور كلا المجالين حول عملية تحويل السكر إلى إيثانول وثاني أكسيد الكربون بفعل الخميرة وكائنات دقيقة أخرى، وتُعد خميرة "ساكاروميسيس سيريفيسي" (Saccharomyces cerevisiae) النوع الأكثر شيوعاً واستخداماً في صناعتي التخمير والمخبوزات.
تاريخياً، استُخدمت عمليات التخمر منذ آلاف السنين، حيث تشير الأدلة إلى وجود مشروبات ومخبوزات مخمرة تعود إلى عصور الحضارات القديمة. ولا يقتصر دور علم التخمر الحديث على دعم الممارسات التقليدية فحسب، بل امتد ليشمل مجالات التكنولوجيا الحيوية؛ إذ يجري استكشاف سلالات ميكروبية جديدة وابتكار طرق لتحسين كفاءة التخمر بما يخدم تطبيقات متنوعة، تشمل الصناعات الدوائية والكيميائية الحيوية. وتتطلب الفرص الوظيفية في هذه المجالات أساساً قوياً في العلوم البيولوجية والكيميائية، إلى جانب تدريب متخصص في مجالات مثل علم الأحياء الدقيقة والكيمياء الحيوية. ومع تطور هذين المجالين، فإنهما يمتلكان إمكانات واعدة لمعالجة التحديات المعاصرة المتعلقة بالاستدامة البيئية والصحة العامة من خلال حلول ميكروبية مبتكرة.
تُعد دراسة التخمير (Zymology) عملية تقليدية تسبق نشأة علوم الأحياء والكيمياء بآلاف السنين؛ ومع ذلك، لم تتغير المبادئ الأساسية لعملية التخمير طوال تلك الفترة الزمنية. وتتمحور عملية التخمير في جوهرها حول النشاط الأيضي لخلايا الخميرة أو غيرها من الميكروبات في بيئة ملائمة. وتتواجد خلايا الخميرة بكثرة في الهواء؛ وتُعد هذه الخميرة المحمولة جواً السبب الرئيسي لفساد العديد من المواد الغذائية عند تركها معرضة للهواء، ولو لفترة وجيزة. ففي خليط يحتوي على سكريات حرة في وسط مائي -مثل إبريق مفتوح من عصير الفاكهة- قد تستقر خلايا الخميرة القادمة من الهواء في الخليط وتبدأ في التكاثر. ومع مرور الوقت، يصبح السائل غازياً وفواراً نتيجة لإنتاج ثاني أكسيد الكربون أثناء عملية التخمير، كما يكتسب مذاقاً حمضياً أو لاذعاً واضحاً. وقد يصبح المحلول أيضاً عكراً بسبب تكاثر الميكروبات فيه.
لقد تطور مجال دراسة التخمير وتطبيقاته العملية (Zymurgy) ليصبح تطبيقاً موجهاً وعملياً لعملية التخمير بهدف الإنتاج التقليدي للمشروبات الكحولية المخصصة للاستهلاك البشري. وقد اتسع نطاق هذه التطبيقات بشكل كبير، حتى أصبحت تُعتبر جزءاً من الركائز الأساسية لصناعات التكنولوجيا الحيوية والهندسة الحيوية. ومن الناحية العملية، يدرس المتخصصون في هذا المجال طرقاً لتطبيق عمليات التخمير المعروفة لأغراض جديدة تتجاوز الاستخدامات التقليدية في الخبز وصناعة المشروبات المخمرة؛ ويشمل ذلك تطوير سلالات جينية جديدة من الخمائر والميكروبات الأخرى، وتطوير أنظمة فعالة للمواد المغذية (الركائز) لتعظيم إنتاج مواد محددة.
في أي عملية تخمير، يتم توفير بيئة محكومة لميكروب معين لينمو فيها بطريقة غير مقيدة. وقد تكون هذه البيئة عبارة عن وعاء مغلق أو معزول ومجهز بمعدات مناسبة لضمان الخلط الجيد للمحتويات. وتتألف هذه المحتويات من المزرعة الميكروبية والوسط الغذائي الذي ستنمو فيه تلك المزرعة. كما قد تكون البيئة عبارة عن تجمّع مفتوح -ولكنه معزول- لمادة ركيزة مناسبة ستعمل عليها عملية التخمير الميكروبي. وعادةً ما تتم تنمية المزرعة الميكروبية بنظام "الدفعة" (batch process)، ولكن يمكن أيضاً استخدام طرق الإنتاج المستمر، وذلك حسب المخرجات المطلوبة. وفي النهاية، يتم تجميع نواتج العملية واستخلاصها باستخدام طرق فصل تتيح إعادة استخدام المزرعة الميكروبية في العملية مرة أخرى.
في بعض الحالات، يكون الغرض من العملية هو إنتاج كميات أكبر من الميكروب، كما هو الحال عند استنبات الخميرة لتلبية الاحتياجات المتعلقة بسلالات معينة وتطبيقات محددة. وفي حالات أخرى، يهدف الأمر إلى استغلال العمليات الكيميائية الحيوية للميكروب المعني لتحويل مادة ما إلى مواد أخرى؛ ومثال ذلك تخمير الكتلة الحيوية لإنتاج الإيثانول الصناعي، والبيوتانول (كحول البوتيل)، ومركبات أخرى. وغالباً ما تُستخدم مزارع ميكروبية عالية التخصص ومُعدَّلة حيوياً لإنتاج البروتينات وغيرها من المواد الكيميائية الحيوية اللازمة للأبحاث الصيدلانية والطبية.
عمليات التخمير. يُشير مصطلحا "علم التخمير" (Zymology) و"تقنية التخمير" (Zymurgy) إلى دراسة وممارسة عمليات التخمير وغيرها من العمليات الميكروبية. والميكروبات هي كائنات حية وحيدة الخلية، مثل الخميرة والبكتيريا. وبوصفها كائنات حية، تتمتع الميكروبات بعمليات أيض نشطة ترتكز على الكيمياء الحيوية؛ إذ تعمل مختلف العمليات الكيميائية الحيوية ودورات التفاعل داخل هذه الكائنات على استخلاص الطاقة اللازمة لاستمرار حياتها، وذلك من خلال تحويل مواد تعمل بمثابة مصادر للغذاء. وعلى المستوى الأساسي، يجري تحويل السكريات البسيطة -مثل الجلوكوز والفركتوز- إلى ثاني أكسيد الكربون والماء والإيثانول باستخدام الخميرة. وتُعد هذه العملية، من منظور معين، نقيضاً لعملية التمثيل الضوئي التي تقوم فيها النباتات الخضراء بتحويل ثاني أكسيد الكربون والماء إلى جلوكوز، ومن ثم إلى سكريات وكربوهيدرات أخرى متنوعة. ويمكن استخدام العمليات الكيميائية الحيوية ذاتها للتفاعل مع مجموعة متنوعة من المواد الأساسية (الركائز) الأخرى للحصول على نواتج مختلفة.
----------------
------------------------
