كتاب : الزراعة بدون مكافحة الآفات : مرجع شامل
تأليف : ا.د نزار مصطفى الملاح ( رحمه الله)
عدد صفحات الكتاب : 192 صفحة
ينطوي استخدام المبيدات الحشرية -سواء على المستوى المنزلي أو التجاري- على تداعيات وخيمة على البيئة. نستعرض في هذا المقال الخصائص التي تجعل المبيدات تشكل تهديداً لصحة التربة والنظم البيئية، كما نتناول خطوات عملية يمكنك تطبيقها اليوم لتبني أسلوب البستنة الخالي من المبيدات.
كيف تؤثر المبيدات الحشرية على البيئة؟
يؤثر استخدام المبيدات الحشرية على البيئة بغض النظر عن الكميات المستخدمة، سواء كانت قليلة أو كبيرة. وتُعد المبيدات -وهي مواد كيميائية مشتقة من مصادر اصطناعية وطبيعية وتُستخدم لمكافحة الآفات أو القضاء عليها، بما في ذلك الحشرات والأعشاب الضارة والفطريات- مصدراً سهلاً لتلوث التربة والمياه والمسطحات العشبية ومجموعة واسعة من النباتات الأخرى. وإلى جانب تأثيرها على النباتات، يمكن للمبيدات أن تقتل الحشرات والنباتات المحلية والعديد من الكائنات الحية الأخرى، بما في ذلك الطيور والأسماك. ورغم أن استخدام المبيدات في الزراعة قد يحقق فوائد تتمثل في زيادة المحاصيل وتحسين جودة المنتجات، إلا أنها تظل تشكل مخاطر جسيمة على البيئة ككل، لا سيما من خلال تلويث المياه والتربة. وعلاوة على ذلك، فإن بقايا هذه المبيدات التي تبقى في المياه الجوفية يمكن أن تؤثر لاحقاً على الماشية والمحاصيل الزراعية في مراحل تالية من الدورة الزراعية.
ورغم أن المبيدات صُممت خصيصاً لاستهداف الآفات، إلا أنها قد تسبب آثاراً ضارة على صحة الإنسان في حال استخدامها بشكل غير صحيح أو بكميات مفرطة؛ فقد ارتبط التعرض المستمر أو المكثف لأنواع معينة من المبيدات بمشكلات صحية تشمل أمراض الجهاز التنفسي، والسمية العصبية، ومشاكل في الصحة الإنجابية، وزيادة خطر الإصابة بأنواع معينة من السرطان.
لهذه الأسباب، فإن أفضل ما يمكن للمرء فعله لحماية التنوع البيولوجي والبيئة هو التوقف تماماً عن استخدام المبيدات الحشرية، لا سيما عند استخدامها في الحدائق المنزلية أو قطع الأراضي المخصصة للزراعة. تتوفر بدائل عديدة تتيح لك ممارسة البستنة دون استخدام مواد كيميائية؛ وهي بدائل لا توفر عليك المال فحسب، بل تحمي البيئة أيضاً.
كيفية ممارسة البستنة دون استخدام المبيدات الحشرية
1. تأكد من خلو السماد العضوي (الكومبوست) من الخث (Peat) -
أو قم بإعداده بنفسك
تتمثل الخطوة الأولى لممارسة البستنة الخالية من المواد الكيميائية في التأكد من أن السماد العضوي الذي تستخدمه خالٍ من الخث. فمن المعروف أن عملية استخراج الخث تساهم في انبعاثات الغازات الدفيئة؛ إذ يؤدي حصاده وتجفيفه إلى إطلاق الكربون المخزن فيه إلى الغلاف الجوي. تتوفر اليوم بدائل مستدامة عديدة للخث؛ وهي بدائل ممتازة للبيئة وتؤدي نفس وظيفة الخث في تغذية النباتات دون التسبب في أي أضرار بيئية.
والأفضل من شراء سماد عضوي خالٍ من الخث هو إعداد السماد بنفسك. احصل على حاوية مخصصة للسماد العضوي في حديقتك، حيث يمكنك تجميع بقايا الخضروات، ومخلفات تقليم الحديقة، وأكياس الشاي والقهوة، والفواكه، وقشور البيض والمكسرات. ضع هذه المواد في الجزء العلوي من الحاوية؛ فمع إضافة المزيد من المخلفات، يساعد تصميم الحاوية على تسريع عملية التحلل والحفاظ على الرطوبة.
تستغرق عملية نضج السماد العضوي بالكامل فترة تتراوح بين ستة أشهر وعامين، وذلك يعتمد على نوعية المواد التي وضعتها في الحاوية. ومع ذلك، فإنك تحتاج فعلياً إلى إضافة السماد إلى التربة مرة واحدة فقط في السنة، مما يجعل هذه الطريقة مثالية لمعظم الناس؛ فهي وسيلة رائعة لتوفير المال، وتقليل النفايات، والحد من أثرك البيئي في آن واحد.
2. احرص على اتباع نظام تناوب المحاصيل
يُعد تناوب المحاصيل وسيلة أخرى لتقليل الحاجة إلى المبيدات الحشرية؛ فعندما تقوم بتناوب المحاصيل، فإنك تكسر دورة حياة الآفات وتمنع تكاثر الحشرات لتصل إلى مستويات قد تضر بنباتاتك. ورغم أن هذا الإجراء وحده لن يمنع ظهور الحشرات تماماً، إلا أنه يظل خطوة ممتازة ضمن استراتيجية أوسع لتقليل استخدام المبيدات. وبالنسبة للحدائق الكبيرة أو المساحات التي يتم فيها تناوب المحاصيل بانتظام، يمكنك التفكير في استئجار معدات زراعية - مثل آلات الحراثة أو العزاقات - بتكلفة معقولة؛ إذ تضمن هذه الآلات إنجاز العمل بدقة وتساعد في تحسين قوام التربة وتهويتها.
3. تعرّف على النباتات المصاحبة (المرافقة)
من الخطوات الأخرى التي يمكنك اتخاذها لممارسة زراعة خالية من المبيدات وتقليل الحاجة إليها، هي البحث عن "النباتات المصاحبة" (أو النباتات المرافقة). تُعد هذه الحيلة فعالة للغاية؛ فزراعة نباتات مرافقة في حديقتك - سواء حول محاصيل الفاكهة والخضروات أو بجوار النباتات المعرضة لضرر الحشرات - يمكن أن يبعد الآفات ويضمن صحة حديقتك أو قطعة أرضك الزراعية على المدى الطويل.
للأسف، لا يوجد نبات واحد يقضي على جميع أنواع الحشرات، لذا قد تحتاج إلى البحث عن النبات المرافق المناسب للمحاصيل التي تواجه مشاكل معها. على سبيل المثال، يساعد الميرمية (القصعين) في طرد عث الملفوف وذبابة الجزر، بينما يبعد الريحان الذبابة البيضاء، ويطرد الأوريغانو معظم الآفات. كما يُعد عباد الشمس نباتاً مرافقاً ممتازاً لتعزيز معدلات التلقيح وإبعاد النمل.
4. تذكر أن ليست كل الحشرات ضارة
غالبية الحشرات الموجودة في حديقتك ليست ضارة، بل إنها تساهم في خلق بيئة متنوعة حيوياً. وتشمل الحشرات النافعة كائنات مثل الدعسوقة (الخنفساء المنقطة)، والنحل، والعناكب، وأم أربعة وأربعين (الحريش)، وأسد المن (ذباب الدانتيل)؛ فهذه الكائنات تساعد في القضاء على الآفات الضارة، وتلقيح النباتات، وتوفير الغذاء للطيور والحيوانات التي تتغذى بدورها على الآفات، فضلاً عن تحسين صحة التربة. لذا، وبدلاً من السعي للتخلص من الحشرات تماماً، ركّز جهودك على ممارسات مثل تناوب المحاصيل واختيار النباتات المصاحبة للمساعدة في التخلص من الحشرات الضارة طبيعياً والحفاظ على الحشرات النافعة.
----------------
-----------------------
